سورة النازعات مكية وآياتها ست وأربعون بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً ﴿1﴾ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴿2﴾ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً ﴿3﴾ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً ﴿4﴾ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴿5﴾ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴿6﴾ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴿7﴾ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴿8﴾ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴿9﴾ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ﴿10﴾ أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً ﴿11﴾ قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴿12﴾ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴿13﴾ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ﴿14﴾ ﴾. ﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً ﴾ الملائكة حين تنزع أرواح الكفار من بني آدم تغرق في النار ﴿ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ حين تنزع أرواح المؤمنين برفق كأنمـا حلتها من نشـاط ﴿ وَالسَّابِحَاتِ[16] سَبْحاً ﴾ ﴿ السَّابِقَاتِ سَبْق [17] ﴾﴿ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴾ هي الملائكة تدبر الأمر بإذن الله من السماء إلى الأرض. وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴿6﴾ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴾ وقال ابن عباس: هما النفختان الأولى والثانية. وعن مجاهد: أما الأولى: وهي قوله جل وعلا: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴾ والثانية: وهي الرادفة، فهي كقوله تعالى ﴿ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ﴾ ……. [الحاقة:14] وروى الترمذي[18] وابن أبي حاتم ( كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه )…. [حديث صحيح]. وقوله تعالى: ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ أيْ: خائفة ﴿ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴾ أيْ: أبصار أصحابها ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال. وقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ﴾ يعني مشركي قريش ومن قال بقولهم، في إنكار المعاد بعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم في القبور. ﴿ قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴾ أيْ: قالت قريش لئن أحيانا الله بعد أن نموت لنخسرنَّ. قال الله تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴿13﴾ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ﴾ أيْ: فإنما هو أمر الله تعالى يأمر إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث، فإذا الأولون والآخرون قيام بين يدي الرب عز وجل ينظرون، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴾…. [القمر:50] وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ﴾ قيل بالساهرة أقوال مختلفة والصحيح: أنها الأرض وجهها الأعلى، كما قال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها. ﴿ هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴿15﴾ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿16﴾ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿17﴾ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى ﴿18﴾ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ﴿19﴾ فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى ﴿20﴾ فَكَذَّبَ وَعَصَى ﴿21﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ﴿22﴾ فَحَشَرَ فَنَادَى ﴿23﴾ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴿24﴾ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ﴿25﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى ﴾. قوله تعالى: ﴿ هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾ أيْ: هل سمعت بخبره ﴿ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ وهو اسم الوادي على الصحيح كما تقدم في سورة طه: ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ أيْ: تجبر وتمرد وعتا ﴿ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى ﴾ أيْ: هل لك أن تجيب إلى مسلك تزكى به، أيْ: تسلم وتطيع. ﴿ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ ﴾ أيْ: أدلك إلى عبادته ﴿ فَتَخْشَى ﴾ أيْ: فيصير قلبك خاشعاً بعدما كان قاسياً بعيداً عن الخير. ﴿ فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى ﴾ أيْ: وأظهر له موسى مع هذه الدعوة حجةً قويةً ودليلاً واضحاً على صدق ما جاء به من عند الله. ﴿ فَكَذَّبَ وَعَصَى ﴾ أيْ: كفر قلبه فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره، والعلم بالحق لا يلزم الإيمان به، لأن المعرفة علم القلب والإيمان عمله وهو الانقياد للحق والخضوع له. وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ﴾ أيْ: في مقابلة الحق بالباطل من جمع السحرة، ليقابلوا ما جـاء به موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ من المعجزات الباهرات. ﴿ فَحَشَرَ فَنَادَى ﴾ أيْ: في قومه ﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾…. [القصص: 38] بأربعين سنة قال الله تعالى: ﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ﴾ أيْ: انتقم منه بأن أغرقه في الدنيا وله في الآخرة عذاب عظيم ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى ﴾ أيْ: لمن يتعظ وينزجر. ﴿ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا ﴿27﴾ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴿28﴾ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴿29﴾ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴿30﴾ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا ﴿31﴾ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴿32﴾ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿33﴾ ﴾. يحتج الله على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه ﴿ أَأَنتُمْ ﴾ أيها الناس ﴿ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء ﴾ يعني: بل السماء أشد خلقاً منكم وقوله: ﴿ بَنَاهَا ﴾ فسره بقوله: ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾ أيْ: جعلها عالية البناء بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء، وقوله تعالى: ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴾ أيْ: جعل ليلها مظلماً ونهارها مضيئاً ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ فسره بقوله: ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا ﴾ وقد تقدم في سورة ﴿ حم ﴾ السجدة، أن الأرض خلقت قبل السماء، ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل. وقوله تعالى: ﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ أيْ: ثبتها في أماكنها، وروى الإمام أحمد[19] عن أنس بن مالك[20] عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: ( لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت ) [ قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه ] وقوله تعالى: ﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ أيْ: دحا الأرض فأنبع عيونها وأظهر مكنونها وأجرى أنهارها وأنبت زرعها وأثمارها، وثبت جبالها لتستقر بأهلها، كل ذلك متاعاً لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار، إلى أن ينتهي الأمر وينقضي الأجل. ﴿ فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ﴿34﴾ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى ﴿35﴾ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى ﴿36﴾ فَأَمَّا مَن طَغَى ﴿37﴾ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿38﴾ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴿39﴾ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴿40﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴿41﴾ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴿42﴾ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ﴿43﴾ إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ﴿44﴾ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ﴿45﴾ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴿46﴾ ﴾. يقول تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ﴾ أيْ: يوم القيامة ﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى ﴾ أيْ: حينئذ يتذكر ابن آدم جميع عمله خيره وشره. ﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى ﴾ أيْ: أظهرت للناظرين فرآها الناس عياناً ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَى ﴾ أيْ: تمرد وعتا ﴿ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ أيْ: قدمها على أمر دينه وأُخراه ﴿ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ أيْ: فإن مصيره إلى الجحيم وإن مطعمه الزقوم ومشربه من الحميم ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾ أيْ: خاف القيام بين يديه عز وجل ونهى نفسه عن هواها وردها إلى طاعة مولاها ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ أيْ: منقلبه ومصيره. ثم قال تعالى ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴿42﴾ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ﴿43﴾ إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ﴾. أيْ: ليس علمها إليك، ولا إلى أحد، بل مردها إلى الله عز وجل. كما يقول الله تعالى: ﴿ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ﴾….. [الأعراف:187]، وقوله ﴿ إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ﴾ كقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾….. [الأحزاب: 63]. وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ﴾ أيْ: إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه فمن خشي الله اتبعك فأفلح، والخسار على من كذبك وخالفك. وقوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾ إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون مدة الحياة الدنيا حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضحى من يوم. __________________ (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ )

سورة النازعات
مكية وآياتها ست وأربعون
بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً ﴿1﴾ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴿2﴾ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً ﴿3﴾ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً ﴿4﴾ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴿5﴾ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴿6﴾ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴿7﴾ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴿8﴾ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴿9﴾ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ﴿10﴾ أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً ﴿11﴾ قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴿12﴾ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴿13﴾ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ﴿14﴾ ﴾.

﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً ﴾ الملائكة حين تنزع أرواح الكفار من بني آدم تغرق في النار ﴿ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ حين تنزع أرواح المؤمنين برفق كأنمـا حلتها من نشـاط ﴿ وَالسَّابِحَاتِ[16] سَبْحاً ﴾ ﴿ السَّابِقَاتِ سَبْق [17] ﴾﴿ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴾ هي الملائكة تدبر الأمر بإذن الله من السماء إلى الأرض. وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴿6﴾ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴾ وقال ابن عباس: هما النفختان الأولى والثانية. وعن مجاهد: أما الأولى: وهي قوله جل وعلا: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴾ والثانية: وهي الرادفة، فهي كقوله تعالى ﴿ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ﴾ ……. [الحاقة:14] وروى الترمذي[18] وابن أبي حاتم ( كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه )…. [حديث صحيح].

وقوله تعالى: ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ أيْ: خائفة ﴿ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴾ أيْ: أبصار أصحابها ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال. وقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ﴾ يعني مشركي قريش ومن قال بقولهم، في إنكار المعاد بعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم في القبور. ﴿ قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴾ أيْ: قالت قريش لئن أحيانا الله بعد أن نموت لنخسرنَّ. قال الله تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴿13﴾ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ﴾ أيْ: فإنما هو أمر الله تعالى يأمر إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث، فإذا الأولون والآخرون قيام بين يدي الرب عز وجل ينظرون، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴾…. [القمر:50] وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ﴾ قيل بالساهرة أقوال مختلفة والصحيح: أنها الأرض وجهها الأعلى، كما قال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها.

﴿ هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴿15﴾ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿16﴾ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿17﴾ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى ﴿18﴾ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ﴿19﴾ فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى ﴿20﴾ فَكَذَّبَ وَعَصَى ﴿21﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ﴿22﴾ فَحَشَرَ فَنَادَى ﴿23﴾ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴿24﴾ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ﴿25﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى ﴾.

قوله تعالى: ﴿ هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾ أيْ: هل سمعت بخبره ﴿ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ وهو اسم الوادي على الصحيح كما تقدم في سورة طه: ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ أيْ: تجبر وتمرد وعتا ﴿ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى ﴾ أيْ: هل لك أن تجيب إلى مسلك تزكى به، أيْ: تسلم وتطيع. ﴿ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ ﴾ أيْ: أدلك إلى عبادته ﴿ فَتَخْشَى ﴾ أيْ: فيصير قلبك خاشعاً بعدما كان قاسياً بعيداً عن الخير. ﴿ فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى ﴾ أيْ: وأظهر له موسى مع هذه الدعوة حجةً قويةً ودليلاً واضحاً على صدق ما جاء به من عند الله. ﴿ فَكَذَّبَ وَعَصَى ﴾ أيْ: كفر قلبه فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره، والعلم بالحق لا يلزم الإيمان به، لأن المعرفة علم القلب والإيمان عمله وهو الانقياد للحق والخضوع له.

وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ﴾ أيْ: في مقابلة الحق بالباطل من جمع السحرة، ليقابلوا ما جـاء به موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ من المعجزات الباهرات. ﴿ فَحَشَرَ فَنَادَى ﴾ أيْ: في قومه ﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾…. [القصص: 38] بأربعين سنة قال الله تعالى: ﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ﴾ أيْ: انتقم منه بأن أغرقه في الدنيا وله في الآخرة عذاب عظيم ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى ﴾ أيْ: لمن يتعظ وينزجر.

﴿ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا ﴿27﴾ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴿28﴾ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴿29﴾ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴿30﴾ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا ﴿31﴾ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴿32﴾ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿33﴾ ﴾.

يحتج الله على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه ﴿ أَأَنتُمْ ﴾ أيها الناس ﴿ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء ﴾ يعني: بل السماء أشد خلقاً منكم وقوله: ﴿ بَنَاهَا ﴾ فسره بقوله: ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾ أيْ: جعلها عالية البناء بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء، وقوله تعالى: ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴾ أيْ: جعل ليلها مظلماً ونهارها مضيئاً ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ فسره بقوله: ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا ﴾ وقد تقدم في سورة ﴿ حم ﴾ السجدة، أن الأرض خلقت قبل السماء، ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل. وقوله تعالى: ﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ أيْ: ثبتها في أماكنها، وروى الإمام أحمد[19] عن أنس بن مالك[20] عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: ( لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت ) [ قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه ] وقوله تعالى: ﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ أيْ: دحا الأرض فأنبع عيونها وأظهر مكنونها وأجرى أنهارها وأنبت زرعها وأثمارها، وثبت جبالها لتستقر بأهلها، كل ذلك متاعاً لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار، إلى أن ينتهي الأمر وينقضي الأجل.

﴿ فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ﴿34﴾ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى ﴿35﴾ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى ﴿36﴾ فَأَمَّا مَن طَغَى ﴿37﴾ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿38﴾ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴿39﴾ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴿40﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴿41﴾ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴿42﴾ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ﴿43﴾ إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ﴿44﴾ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ﴿45﴾ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴿46﴾ ﴾.

يقول تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ﴾ أيْ: يوم القيامة ﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى ﴾ أيْ: حينئذ يتذكر ابن آدم جميع عمله خيره وشره. ﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى ﴾ أيْ: أظهرت للناظرين فرآها الناس عياناً ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَى ﴾ أيْ: تمرد وعتا ﴿ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ أيْ: قدمها على أمر دينه وأُخراه ﴿ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ أيْ: فإن مصيره إلى الجحيم وإن مطعمه الزقوم ومشربه من الحميم ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾ أيْ: خاف القيام بين يديه عز وجل ونهى نفسه عن هواها وردها إلى طاعة مولاها ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ أيْ: منقلبه ومصيره. ثم قال تعالى ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴿42﴾ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ﴿43﴾ إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ﴾. أيْ: ليس علمها إليك، ولا إلى أحد، بل مردها إلى الله عز وجل. كما يقول الله تعالى: ﴿ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ﴾….. [الأعراف:187]، وقوله ﴿ إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ﴾ كقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾….. [الأحزاب: 63].

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ﴾ أيْ: إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه فمن خشي الله اتبعك فأفلح، والخسار على من كذبك وخالفك. وقوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾ إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون مدة الحياة الدنيا حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضحى من يوم.

__________________
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) , via كل يوم – قصة نجاح http://www.facebook.com/photo.php?fbid=10151536074997192&set=a.263410587191.140765.209304032191&type=1

هذا المنشور نشر في كل يوم - قصة نجاح وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s